الأبشيهي
565
المستطرف في كل فن مستظرف
إلا سواء فقال : إن محمداً دعا علي : ووالله ما أظلت السماء من في لهجة أصدق من محمد . ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يده فيه ثم جاء النوم فحاطوا أنفسهم بمتاعهم وجعلوه بينهم وناموا فجاء الأسد يتهمس وشمهم رجلا رجلا حتى انتهى إليه فضغطه ضغطة كانت إياها فسمع وهو بآخر رمق يقول : ألم أقل لكم إن محمداً أصدق الناس . ولبعضهم في الأسد : [ من الطويل ] عبوس شموس مصلخد مكابد * جريء على الأقران للقرن قاهر براثنه شثن وعيناه في الدجى * كجمر الغضى في وجهه الشر ظاهر يديل بأنياب حداد كأنها * إذا قلص الأشداق عنها خناجر فائدة : إذا أقبلت على واد مسبع فقل أعوذ بدانيال والجب من شر الأسد وسبب ذلك ما قيل : إن بختنصر رأى في نومه أن هلاكه يكون على يد مولود فجعل يأمر بقتل الأطفال فخافت أم دانيال عليه فجاءت إلى بئر فألقته فيه فأرسل الله له أسداً يحرسه وقيل : إن بختنصر توهم ذلك في دانيال فضرى له أسدين وجعلهما في الجب وألقاه عليهما فلم يؤذياه وصارا يبصبصان حوله ويلحسانه فأقام ما شاء الله تعالى أن يقيم ثم اشتهى الطعام والشراب فأوحى الله تعالى إلى أرمياء بالشأم أن اذهب إلى أخيك دانيال بجب كذا بمكان كذا . قال أرمياء : فسرت إلى ذلك الموضع فلما وقفت على رأس الجب ناديته فعرفني فقال : من أرسلك إلي . قلت : أرسلني الله إليك بطعام وشراب فقال : الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره والحمد لله الذي لا يخيب من قصده والحمد لله الذي وثق به لا يكله إلى غيره والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحساناً وبالصبر نجاة وغفراناً والحمد لله الذي يكشف ضرنا بعد كربنا والحمد لله الذي هو ثقتنا حين تسوء ظنوننا بأعمالنا والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل عنا . قال : ثم صعد به أرمياء من الجب وأقام عنده مدة ثم فارقه ورجع . وحكي أن يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام مر بقبر دانيال عليه الصلاة والسلام فسمع منه صوتاً يقول : سبحان من تعزز بالقدرة وقهر العباد بالموت . قال بعض الصالحين : من قال هذه الكلمات استغفر له كل شيء . وحكي أن إبراهيم بن أدهم كان في سفره ومعه رفقة فخرج عليهم الأسد فقال لهم : قولوا اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام واحفظنا بركنك الذي لا يرام وارحمنا بقدرتك علينا فلا نهلك وأنت رجاؤنا يا الله يا الله يا الله قال : فولى الأسد هارباً . وقيل : لما حمل نوح عليه الصلاة والسلام في سفينته من كل زوجين اثنين قال أصحابه : كيف نطمئن ومعنا الأسد فسلط الله عليه الحمى وهي أول حمى نزلت في الأرض ثم شكوا إليه المعذرة فأمر الله تعالى الخنزير فعطس فخرج منه الفأر فلما كثر وزاد ضرره فشكوا ذلك لنوح عليه الصلاة والسلام فأمر الله سبحانه وتعالى الأسد فعطس فخرج منه الهر فحجب الفأر عنهم ويحرم أكل السبع لنهيه عليه الصلاة والسلام عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير .